جعفر شرف الدين
326
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
الممكن كلّه ، أي قل أستعيذ برب المخلوقات وبفالق الإصباح ، من كلّ أذى وشرّ يصيبني من مخلوق من مخلوقاته طرّا . ثمّ خصّص من بعض ما خلق أصنافا ، يكثر وقوع الأذى منهم : [ الآية 3 ] : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) أصل المعنى في مادة غسق : السّيلان والانصباب ، وأصل الوقب : النّقرة في الجبل ونحوه ، ووقب بمعنى دخل دخولا لم يترك شيئا إلّا مرّ به . والمراد من الغاسق هنا : الليل ، ووقب : أي دخل وغمر كلّ شيء ، كأنّما انصبّ عليه ، واشتدّت ظلمته . أي أستعيذ باللّه من شرّ الليل إذا دخل ، وغمر كلّ شيء بظلامه . أستعيذ باللّه من الظلام الحالك ، وما يختبئ فيه من حشرة مؤذية ، ومن شيطان تساعده الظلمة على الانطلاق والإيحاء ، أو من ظلمات النفس وغلبة الشكّ والحيرة . وعن ابن عبّاس : « هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت واعية العقل » « 1 » . [ الآية 4 ] : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) ، أي ومن شرّ النّمّامين الذين يقطعون روابط المحبة ، ويبدّدون شمل المودّة ، « والنميمة تشبه أن تكون ضربا من السحر ، لأنها تحوّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة ، بوسيلة خفيّة كاذبة ، والنميمة تضلّل وجدان الصديقين ، كما يضلّل الليل من يسير فيه بظلمته ، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب ؛ ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفّظ من النّمّام ، فربما دخل عليك بما يشبه الصدق ، حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه ، فلا بد لك من قوّة أعظم من قوّتك ، تستعين بها عليه » « 2 » . والنفاثات في العقد : الساحرات الساعيات بالأذى ، عن طريق خداع الحواس ، وخداع الأعصاب ، والإيحاء إلى النفوس ، والتأثير والمشاعر ؛ وهنّ يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل ، وينفثن فيها ، كتقليد من تقاليد السّحر والإيحاء . ويصح أن يراد بالنفّاثات في العقد ، النساء الكيّادات اللواتي يفسدن عقد
--> ( 1 ) . تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ، 30 : 214 . ( 2 ) . تفسير جزء عم للإمام محمد عبده ، ص 138 .